نصر حامد أبو زيد

179

الاتجاه العقلي في التفسير

يستوعب في مادتي « الهدى » و « الضلال » تأويل كل الآيات المتشابهة في موضوع « العدل » . يقول « الهدى من اللّه عز وجل ، هديان : هدى مبتدأ ، وهدى مكافأة ، فأمّا الهدى المبتدأ : فقد هدى اللّه به البر والفاجر ، وهو العقل والرسول والكتاب ، فمن انصف عقله وصدّق رسوله وآمن بكتابه ، وحلل حلاله وحرّم حرامه ، استوجب من اللّه الزيادة . والهدى الثاني : جزاء على عمله ومكافأة على فعله ، كما قال ، عز وجل : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ، وقال : وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً . ومن كابر عقله وكذّب رسوله وردّ كتابه ، استوجب من اللّه الخذلان ، وتركه من التوفيق والتسديد ، وأضلّه وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ، وذلك قوله ، تبارك وتعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ عنى الهدى الثاني ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يقول : ومن يرد أن يوقع اسم الضلالة عليه ، بعد أن استوجب بفعله القبيح ، يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، فقد بيّن ، عز وجل ، في آخر الآية أنه لم يضله ولم يضيق صدره إلّا بعد عصيانه وكفره وضلاله ، لأنه يقول : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ولم يقل أنه يجعل الرجس على الذين آمنوا ، ثم قال : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً كما اتخذ إلهه هواه أوقع عليه اسم الضلال وسماه به ودعاه بعد أن اتخذ إلهه هواه وختم على سمعه ، وتركه من التوفيق والتسديد وخذله ولم يؤيده ولم يسدده كما أيد وسدد الذي عبده ، عز وجل ، ثم قال يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ثم قال وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ وقال : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ ، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ، كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ » 149 . ومعنى ذلك أن اللّه قد هدى الناس جميعا بما منحهم من العقل القادر على النظر ، ثم أرسل لهم الرسل والكتب للهداية أيضا ، فمن اهتدى بهذه الأدلّة زاده اللّه هدى ووفقه وسدده جزاء على اهتدائه ، ومن لم يهتد فإنه بذلك يكون قد أتى من قبل نفسه ، لا من قبل اللّه . وبذلك يكون ما ورد في القرآن من أن اللّه أضل ، ليس المقصود به منعه من الاهتداء الذي هو مخير وحر فيه ، ولكن يكون المقصود به أن اللّه سمّاه بالضلال ودعاه به ، ويكون معنى الختم على القلب والبصر هو الخذلان ، ولكن الانسان أساسا هو المسؤول عن اهتدائه أو ضلاله . ولا يختلف هذا التأويل عمّا ذكره الامام يحيى في مادة « الضلال » ، بل يلتقي